فخر الدين قباوه

8

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر

فقد كان لتلك الميادين بوادر يسيرة قبل التطلعات العلمية المنهجية ، غرست في النفوس بذور البحث والتنقيب ، وشرعت مسالك التأصيل والتحقيق ، في كل ميدان . حتى إذا تناول العلماء الأفذاذ تلك المسالك ، بالمتابعة والتعبيد والعمران ، صارت معالم صالحة لاستيعاب كل تطور ونماء ، وموجهة أنشطة التعبير بنسغ أبدي حي ، يمد بالقدرة والإبداع والصفاء . ففي مشكلة الفصاحة يرى الباحث آثارا ، تعود إلى السنوات الأولى من تاريخ المسلمين . فقد روي أن عبدا حبشيّا ، كان في صفوف المشركين بغزوة أحد ، عيب عليه قوله « اللّهمّ أعزرت دينك » ، لأنه أبدل الذال زايا ، وهو يريد « أعذرت » أي : كان مني ما أعذر به . وكذلك كان شأن بعض المسلمين من الأعاجم ، كصهيب الرومي يرتضخ لكنة أعجمية ، وسحيم عبد بني الحسحاس تعتاص عليه الشين ، فتكون لديه سينا شوهاء . ومن أمثال هذه الظواهر الناشزة المتكاثرة ، تنبه العلماء لرصد حيوية لغة القرآن ، والحدود التي تحفظ لها الانطلاق بعروبة وخلود ، فكان البحث في ميدان الفصاحة ، وخلوص التعبير من العجمة واللحن والفساد . وفي تحسس العناصر البلاغية ، ترى للجاهليين لمسات تحليلية ، كالذي سنذكره عن امرئ القيس والأعشى مثلا ، ثم تجد لأوائل المسلمين من الصحابة لمحات قيمة ، تثبت لهم التقدم بالتأصيل وقصد السبيل . فقد روي عن ابن عباس أن في قول اللّه تعالى : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا « 1 » [ يس : 36 / 8 ] استعارة الأغلال لحالة الكفرة ، الذين أرادوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بسوء قبل الهجرة . وهو نفسه ذكر أن المراد بالآية الكريمة :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 7 : 324 .